الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

الحرية في الله عند الأب متى المسكين

International Conference on Spirituality
In the Commemoration of the Tenth Anniversary of the Departure of
FATHER MATTA EL MASKIN
A Contemporary Desert Father
May 21 - 22, 2016

الحرية في الله عند الأب متى المسكين
من أقوال الأب متى المسكين

"ولكن ازداد حنيني جدا للحريةِ في الله التي سبق وأن حاولتُ أن أجدَها في العلمِ والسياسةِ والدين‏. وأِنيَ لي أن أجدَ هذه الحريةَ في عالمٍ مستعبدٍ‏،‏ خصوصا في مصرَ التي كانت قد قيدت العلمَ بسلاسلِ التعصبِ والاضطهادِ والفكرِ الضيق،‏ وقيدت السياسةَ بأصنامِ الزعامةِ التي فرضَت نفسَها علي الشعبِ حتى اعتاد عليها، ثم عبدها عن طواعيةٍ منهزمة‏،‏ وقيدَت الدينَ حتى جعلتهُ تحت الوصايةِ‏،‏ وسلسلت الإنجيلَ بسلسلةٍ ربطته في ركنِ الكنيسةِ،‏ تحِلُّه عندما تشاء وتربِطُه عندما تشاء،‏ وتُلبِسُه الثوبَ الذي تريد‏:‏ ثوباً أرثوذكسياً أو كاثوليكياً أو بروتستانتياً‏.‏"[1]

تعرفت على أبينا متى المسكين في يوليو عام 1953 عندما دعاني الأستاذ نظير جيد (قداسة البابا الراحل شنودة الثالث) لمصاحبته عند زيارته لدير السريان بوادي النطرون، حيث اعتاد لقاء مُعلِّمه الذي كان يُعدُّه للرهبنة. هذا اللقاء الأول مع أبينا متى ترك في نفسي آثارا غائرة وجهت تفكيري ورؤيتي للأمور، عندما كنت في مقتبل حياتي الجامعية. إن أكثر ما تأثرت به في ذلك الوقت هو فهمُه العميق لمعنى الحرية في الله.
دكتور يوسف اسكندر صيدلي شاب ثَري، أدرك في سنٍ مبكرةٍ مفهومَ الحريةِ بصورةٍ فريدةٍ كما يدركها الحكماءُ والقديسون. كان يوسف يملِكُ المال بوَفرَةٍ لكنه اكتشف أن في المالِ قوِّةٌ تستعبد الإنسان،[2] فكلما تخلى عنه أدرك الحريةَ. وفي لحظة شجاعةٍ نادرةِ وتحدى لعبودية المال قررَ يوسُف أن يتخلص منه تماما، فباع كل ما يملِك ووزعهُ على الفقراء واحتفظ لنفسه بأجرة المواصلات ليصل لأفقرِ الأديرةِ في مصر. لقد غادر متجرداً من كل شيء ليبحث عن حرية النفس في الله. هكذا فَهَم يوسف الرهبنة حيث شكلت الحريةُ في الله كل حياتهِ المستقبلية. لا يمكن لإنسانٍ التخلي عن المالِ بهذه الصورةُ إلا إذا وضع للحرية القيمة العليا والكلية لحياتِه من خلال رؤيةٍ ثابتة للحق في المسيح.

فكان دافعُهُ للرهبنة هو الحنينَ للحرية وكتب عن ذلك في السيرة الذاتية يقول،
[طلبت من الله أن يُسهل خروجي من العالم ... لأعيش منتهى حريتي في الله] 1

ويصفُ خروجَهُ للرهبنة فيقول،
[كان خروجا بمعنى الكلمة، كنت كطائرٍ ينطلقُ في الأجواء العليا بفرحٍ لا تعيقُه الجاذبية الأرضية لأنه قد فرد جِنَاحيه لتحملُه قوةٌ أخرى، ومن فوق كان ينظرُ إلى كل شيءٍ فيراه صغيرا جدا أصغرَ من جناحيه الطويلتين حين يلمحهُما بعينيه فيمتلئُ زهواً بأنه قد صار حرا والدنيا كلُها تفرُ من تحت بصرِه]. 2
ويقترنُ مفهومُ الحريةِ في الله عنده بالحق والحب. إن تلك الأبعاد الثلاثة الكلية، "الحق والحرية والحب" هي صورةُ الله فينا التي يتشكلُ في رحابِها وجودُنا لنقِيمَ كيانَنا الروحي من خلال بنوتِنا في ملكوت الآب. وفي هذا يقول أبونا:
[كانت أدقُ وأخطر مرحلةٍ في حياتي، وأخصبُ وأعمقُ إدراكٍ لله والحقِ والحريةِ والحبِ قد بدأ يسكنُ قلبي كرد فعلٍ لتوسلي ودموعي...] 1

من يسعى للحرية لا بد أن يصطدم بالعنصريةِ والتعصب. وكما قال الربُ يسوع، "يكفي التلميذُ أن يكونَ كمعلِّمِه والعبدُ كسيِدِه، إن كانوا قد لقبوا ربَ البيتِ بعلزبولَ فكم بالحري أهلُ بيته" (مت 5:10). قرر يوسُف يوم أن ذهب إلى الديرِ أن يُنكرَ نفسَهُ ويَحملَ صليبَهُ خلف سيدِه. فتبِعَه في طريقٍ وعرٍ ضيقٍ نحو الحرية ليقدمَ الحبَ والخيرَ للجميعِ حتى الأعداء. وكما صارعَ السيدُ المسيح العنصريةَ والتعصبَ حتى بلغا به إلى الصليب، هكذا تعرضَ الأبُ متَّى المسكين للمصادماتِ والتجريحِ والتشهيرِ، رغم أنه لم يسعَ أبدا للصدام.

يشرح أبونا في السيرة الذاتية رفضَهُ للتعصبِ في لقاءٍ له مع الخدامِ في مدارس الأحد،[3] الذين صاروا فيما بعد من القياداتِ التي وجهت الفكرَ الكنسي في النصف الأخير من القرن العشرين. وبالرغم من اختلافِه معهم بشكلٍ قاطعٍ، لم يصطدمْ بأحدٍ. فقَبُولَه للفكرِ المخالفِ هو من سماتِ التحضر والحريةِ. فبدلا من أن يُضيِّعَ وقتَه في الاعتراض على فكرٍ متجمدٍ، قدم فكرَه الحرَ بيسرٍ ووضوحٍ لمن يريد ولكل من يُقدِّرُ قيمةَ الحريةِ في المسيحِ يسوع، الذي لم يُرغمْ أحدا على تبعيَتِه بل يقول، "من أراد أن يأتيَ ورائي..." (مر 34:8). فتبعيةُ المسيحِ ليست فيها إجبارٌ لأنها دعوةُ للحرية لا يدركها المقيدون بالتعصبِ. ولقد أدرك الأبُ متَّى المسكين تلك الحريةِ فتبَعَ سيدَهُ حاملا الصليب.

إن تاريخَ الرجلِ يحملُ صوراّ من الصراعاتِ العنيفة التي فُرِضَت عليه فواجهها بقَبولِ الصليبِ بكل الوداعةِ والحكمةِ وقوةِ الروح، حتى لا تُعوِّقَه عن الهدفِ. مشكلة الرجلِ الرئيسية تتركزُ في عبقريته التي أضفت عليه شعبيةً طاغيةً، فكلُ من تقابل معه أحبَه، وأحسَ بمواهبِه وإمكاناتِه الجبارة. لقد كان متفوقا في مجالاتٍ متعددةٍ، وصار محبوبا من الجميع. وشهد له كلُ من قابلَهُ من مسيحيين ومسلمين وأجانبَ من كل الجنسيات من كل ثقافةٍ ودين. بل وشهد له حتى العمالِ الصغارِ العاملين بالدير مسلمين ومسيحيين. شهد له الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس بكل علماءِهم ولاهوتييهم. فكان يمثلُ الفكرَ الحرَ المنفتحَ بلا تعصبٍ أو انغلاق. وبقدر هذا الانفتاح ففكرُه اللاهوتي الذي لا تشوبُه شائبةً كان ثابتاً في الحق الإنجيلي.

إن محبة الناس له أكسبته شعبيةً دفعتهُ ليكون على رأس المرشحين للكرسي البابوي مرتين، دون جهدٍ أو إرادةٍ منه. ولهذا تكاتف أصحاب المطامعِ والمصالحِ الشخصية لمحاربته. فكانوا يدركون أنه بدون استبعادِه لن يكون لهم مكاناً في المناصب الكنسية. لذلك تحالف المختلفونَ واتفق المختصمون على محاربة الرجلِ الوديع الذي لا يدافعُ عن نفسِه! إن عبقرية الرجلِ جرَّت عليه كل أنواعِ الحروبِ والمتاعبِ فواجهها بكلمةِ حقِ الإنجيلِ. بذلك شهد لقوة كلمة الله المطبَّقةِ بشكلٍ عملي. فقدم شهادتاً حيةً أمام التاريخ لقدرة الإنسانِ علي الحياةِ بكلمة الله بقوةِ ووداعةِ المسيح. بذلك تحولت المصاعبُ إلى يسر والمقاومةُ إلى شهادة حقٍ والحروب إلى نَصرةٍ وشهادةٍ لكلمة الله! الحربُ الظالمة التي منعت من بلوغِه لكرسي البطريرك، هي التي وفرت له الفرصةَ ليقدمَ إنتاجَه الغزير، الذي أضاف اسمهُ للخالدين من صانعي التراثِ الإنساني.

الحريةُ الداخلية هي صورةُ الله في الإنسان بها يصير خلَّاقاً مُبدِعاً. فهي المصدرُ لكلِ إبداعٍ فكريِ وروحي. إن كلَ عملٍ خلَّاقٍ يبدأ وينمو في حريةِ الروح. ومن له الحريةُ لا يملِكْ إلا أن تصدرَ عنه طاقةُ إبداعيةُ يحققُ بها وجودَه الإنسانيَ في الله.

بتلك الحريةِ صدر عن أبينا متَّى المسكين فكرا روحيا أثرى المكتبةَ القبطيةَ العربية، بعد أن كادت تنضُبَ على فكرٍ عتيقٍ منغلق، مع خلطٍ غير منسجمٍ من أفكارٍ مستوردة. كتاباتُ أبينا متى التي بلغت لأكثرَ من 180 كتاباً مع مقالاتٍ بلا حصر، غير عظاتٍه المُسجَّلة، أحدثت تجديداً شاملاً للفكرِ الكنسيِ القبطِي، وفتحت المنافذَ المغلَّقة بالكنيسة القبطية لرياحِ التجديدِ فاندفعت كهبوبِ ريحٍ عاصفةٍ تفتحُ شعابَها المختنقة. وأبرقُ عصفُها بضياءِ الحرية الذي أنتشرَ في سماءِ المسيحية لكل المسكونة. إن تلك الكتاباتِ الخاليةَ من التعصبِ أحبها الكلُ من بروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس بل والكثير من المسلمين، كلُ من له الفكرُ الحرُ المنفتحُ. وخرج منطِقُه لكل الأرضِ بكلِ اللغاتِ فتُرجمت كتاباتُه للغاتٍ عدةٍ[4] حتى بلغت ترجماتُ كتبِه لأكثرَ من خمسٍ عشرةِ لغة. إن كتاباتِ أبينا متَّى المسكين تُظهِرُ حُبَهُ للكتابِ المقدس ودرايتَهُ الواسعةَ بسر المسيح. إن ما كَتَبه عن الكتابِ المقدسِ وحدَهُ يشكِّلُ موسوعتاً روحيتاً  فكريتاً علميتاً أدبيتاً متكاملتاً.

"فشرحُ إنجيلِ القديسِ يوحنا" كان مثاراً لإعجابِ كثيرين، حتى أنه اجتذب ثلاثةً من كبارِ الكتاب المسلمين المتربعينَ على عرشِ الأدبِ العربي في مصرَ، هم المرحوم الدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور جابر عصفور والدكتورة هدي وصفي. فعند قراءتهم للكتابِ طلبوا اللقاء معه حتى يستزيدوا من فكرِه المتألق. وبعد اللقاءِ سجلوا انطباعَهم فقالوا: 
[ومن حقِ الرجلِ علينا أن نشهدَ لهُ بأنه محاورٌ من الطرازِ الأول، يجيدُ الاستماعَ والإنصاتَ بالقدرِ الذي يجيدُ به التعبيرَ عن نفسهِ بهدوءٍ وثقةٍ وتواضعٍ في الوقتِ نفسِه. إنه تواضعُ العلماءِ وثقةُ الواصلينَ وهدوءُ أهلِ اليقينِ. واستمع إلينا وتفاعلَ معنا طامحاً أن يصلَ بنا إلي عالَمِه، ويرتفع بأرواحنا إلي ذري يقينِه. لقد كان سعيُنا للحوار مع الرجلِ نابعا من احترامٍ عميقٍ لشخصِه ومن إدراكٍ لأهميةِ إنجازاتِه الفكريةِ التي توَّجَها بشرحِه لإنجيلِ يوحنا في مجلدين كبيرين. وكانت عودتُنا بعد الحوارِ عودةَ الظافرينَ بحصادٍ لم نكن نحلُم به، فقامةُ الرجلِ شخصا وإنجازا وتواضعا أعلي من كل تصوُراتِنا].[5]

تتميز كتاباتُ أبينا بالموسوعية، فبقدرِ ما فيها من الزَخَمِ الروحي والغنى الفكري فهي تحوي أيضا أحدثَ الكشوفِ والآراءِ العلمية. كتاباتُه الإنجيلية تعرضُ فكرا لاهوتيا عميقا، وبقدر ما تحملُ من تعاليمِ الآباء، بقدر ما تحوي الكثيرَ من آراءِ العلماءِ المُحدِثين. كل هذا يقدمُه في قالبٍ روحيٍ أدبيٍ بديع.  

لقد رجع أبونا لآلاف المراجعِ، وفي ذلك مدعاةٍ للتعجب كيف أمكن له في زمنِ عمره المحدود دراسةَ وتحليلَ كلَ هذا الكمَ الهائلَ من الكتبِ، حتى أثمرت بذلك الإنتاجِ الضخم. ولتَمَكُنِه من اللغات والمعاني الدقيقة للكلماتِ اليونانية والعبرية القديمة استطاعَ أن ينقلَ فكر الكتابِ المقدس باللغة العربيةِ بالمعنى الذي قصدَهُ الكاتبُ. ولاستيعابه الكاملِ للتاريخِ ولظروفِ كتابةِ النص، جسِّدت كتاباتُه الحقائقَ الكتابية، وأبرزَتها حيةً للقارئ، وبذلك أتاحَ لجيلِنا فرصةَ  قراءَة الكتابِ المقدس كأنه يقرأه بلغاتِه الأصلية.

إن كتاباتِه ليست مجردَ مُحصِّلَة لما قرأ من كتبٍ، ولا هي مجردُ معلوماتٍ أو كتاباتٍ علمية تُثري الفكرَ فقط، بل كتاباتُه تتدفقُ من روحِه الحرةِ قبل فكرِه. وتحوي اختبارَه الشخصيَ لأسرارِ الروحِ الذي اغترفَ من ينابيعِه فتفجرت بأنهارِ ماءٍ حي فاضت بغنى. لم يكن دافعُه من القراءةِ إلا ليشبعَ روحَهُ العطشى لمعرفة المسيح، حيث وجدَ هذه المعرفةَ في كلِ ما هو حقٌ. فليس أيٌ من يقرأ ما قرأه أبونا يستطيعُ أن يكتبَ ما كتبَه، فكان ذلك فيضا من حريةِ الروحِ الموشاةِ بالحكمةِ الإلهية.

وتتسم كتاباتُه بالمنهجية، فلا تخلو صفحتاً واحدةً من كتُبِه إلا وفيها استعلانٌ لأسرار الخلاص بالمسيحِ يسوعَ مُقدَّمةٌ للجميع. وبينما هو يقدمُ رسالةَ الخلاصِ لكلِ واحدٍ بصفةٍ شخصية، فسرُ جسدِ المسيح يجمعُ الكلَ في "الكنيسةِ الخالدة"، هيكلِه الملوكي، مبنيين فيه كحجارة حية، وحاضرين فيه أمام الآبِ عن يمينِ العظمة في الأعالي.
 
ومن خلالِ تنويعِ أساليبَ الكتابةِ استطاعَ أبونا متَّى أن يُغطيَ الكتابَ المقدس بعهديه، دراسةً وتفسيرا وتأملاً. وبعد أن أكملَ كلَ دراساتِه وجدَ نفسَه ما زالت عطشى لغنى الكلمة. فكلُ من شربَ من ينابيعِ كلمةِ الحياة تتسعُ نفسهُ أكثرَ. فبدأ أبونا يتأملُ في آياتٍ يختارُها من الكتابِ، ومن هذا الفيضِ تركَ لنا كتاباً في أربعةِ أجزاءٍ هو كتابُ "مع المسيح"... وظل يكتُب تأملاتِه لآخر لحظةٍ من حياتِه حتى فاضت روحُه المباركةُ في الثامن من يونيو عام 2006.

تحيةً لرجلِ الحريةِ، رجل الوحدة المسيحية، في الذكرى العاشرةِ لانتقالِه من عالَمِنا إلى الأمجادِ السماوية.
أُذكرنا يا أبي وأذكر وحدة الكنيسة أمامَ المسيح ؛

م. فؤاد نجيب يوسف

لسماع المحاضرة - اضغط علي هذا اللينك






[1]   السيرة الذاتية لحياة الأب متى المسكين ص 13
[2] المرجع السابق ص 16
[3]  المرجع السابق ص  7
[4] منها الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والروسية واليونانية والإسبانية والهولندية والبولندية والسويدية.... ألخ.
[5]  عن مجلة البلاغة المقارنة 'ألف' العدد 12- المقال نشر أيضا في جريدة أخبار اليوم - بتاريخ 25 يونيو 2006  العدد  676




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق